أبي بكر الكاشاني
159
بدائع الصنائع
الله تعالى وهذا هو المعقول لان الضرورة سبب لتخفيف الحكم وتيسيره فالمعقول ان يجب في حال الاختيار بذلك السبب زيادة غلظ لم يكن في حال العذر فاما ان يسقط من الأصل في غير حالة العذر ويجب في حالة العذر فممتنع ولا حجة لهم في الحديث لان قوله لا حرج المراد منه الاثم لا الكفارة وليس من ضرورة انتفاء الاثم انتفاء الكفارة ألا ترى ان الكفارة تجب على من حلق رأسه لأذى به ولا اثم عليه وكذا يجب على الخاطئ فإذا حلق الحاج أو قصر حل له كل شئ حظر عليه الاحرام الا النساء عند عامة العلماء لما ذكرنا فيما تقدم ثم يزور البيت من يومه ذلك أو من الغد أو بعد الغد ولا يؤخرها عنها وأفضلها أولها لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في أول أيام النحر فيطوف أسبوعا لان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا طاف وعليه عمل المسلمين ولا يرمل في هذا الطواف لأنه لا سعى عقيبه لأنه قد طاف طواف اللقاء وسعى عقيبه حتى لو لم يكن طاف طواف اللقاء ولا سعى فإنه يرمل في طواف الزيارة ويسعى بين الصفا والمروة عقيب طواف الزيارة ولو أخره عن أيام النحر فعليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا شئ عليه والمسألة قد مضت فإذا طاف طواف الزيارة كله أو أكثره حل له النساء أيضا لأنه قد خرج من العبادة وما بقي عليه شئ من أركانها والأصل ان في الحج احلالين الاحلال الأول بالحق أو بالتقصير ويحل به كل شئ الا النساء والاحلال الثاني بطواف الزيارة ويحل به النساء أيضا ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ولا في الطريق هو السنة لان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل ويكره ان يبيت في غير منى في أيام منى فان فعل لا شئ عليه ويكون مسيئا لان البيتوتة بها ليست بواجبة بل هي سنة وعند الشافعي يجب عليه الدم لأنها واجبة عنده واحتج بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله على الوجوب في الأصل ولنا ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارخص للعباس ان يبيت بمكة للسقاية ولو كان ذلك واجبا لم يكن العباس يترك الواجب لأجل السقاية ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرخص له في ذلك وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على السنة توفيقا بين الدليلين وإذا بات بمنى فإذا كان من الغد وهو اليوم الأول من أيام التشريق والثاني من أيام الرمي فإنه يرمى الجمار الثلاث بعد الزوال في ثلاث مواضع أحدها المسمى بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف وهو مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيرمى عندها سبع حصيات مثل حصى الخزف يكبر مع كل حصاة فإذا فرغ منها يقف عندها فيكبر ويهلل ويحمد الله تعالى ويثنى عليه ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل الله تعالى حوائجه ثم يأتي الجمرة الوسطى فيفعل بها مثل ما فعل بالأولى ويرفع يديه عند الجمرتين بسطا ثم يأتي جمرة العقبة فيفعل مثل ما فعل بالجمرتين الأولتين الا انه لا يقف للدعاء بعد هذه الجمرة بل ينصرف إلى رحله لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمار الثلاث في أيام التشريق وابتدأ بالتي تلي مسجد الخيف ووقف عند الجمرتين ولم يقف عند الثالثة واما رفع اليدين فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ترفع الأيدي الا في سبع مواطن وذكر من جملتها وعند المقامين عند الجمرتين فإذا كان اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثالث من أيام الرمي رمى الجمار الثلاث بعد الزوال ففعل مثل ما فعل أمس فإذا رمى فان أراد ان ينفر من منى ويدخل مكة نفر قبل غروب الشمس ولا شئ عليه لقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه وان أقام ولم ينفر حتى غربت الشمس يكره له أن ينفر حتى تطلع الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق وهو اليوم الرابع من أيام الرمي ويرمى الجمار الثلاث ولو نفر قبل طلوع الفجر لا شئ عليه وقد أساء اما الجواز فلانه نفر في وقت لم يجب فيه الرمي بعد بدليل انه لو رمى فيه عن اليوم الرابع لم يجز فجاز فيه النفر كما لو رمى الجمار في الأيام كلها ثم نفروا ما الإساءة فلانه ترك السنة فإذا طلع الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق رمى الجمار الثلاث ثم ينفر فان نفر قبل الرمي فعليه دم لأنه ترك الواجب وإذا أراد ان ينفر في النفر الأول أو في النفر الثاني فإنه يحمل ثقله معه ويكره تقديمه لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المرء من حيث رحله وروى المرء من حيث أهله ولأنه لو فعل ذلك يشتغل قلبه بذلك ولا يخلو من ضرر وقد روى عن عمر رضي الله عنه انه كان يضرب على ذلك وحكى عن إبراهيم النخعي ان عمر رضي الله عنه